اسد حيدر

324

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة

إهانتهم وتعذيبهم ، وقد شاهد في الكوفة وغيرها تلك الأوضاع الشاذة ، والسيرة المخالفة للإسلام ، وبالطبع ان نفسه كانت تتأثر . وبعد أن تحول الحكم من الأمويين إلى العباسيين ، والموالي هم الذين شاطروا في هذا الانقلاب ، بل كان العباسيون يعدونهم من خلص أنصارهم ، ورجال دعوتهم فاتجهوا إليهم ونصروهم ، فكان النشاط الذي أحرزه الموالي يسترعي الأنظار ، ويبعث على العجب ، خصوصا حينما نراهم يلتفون حول الإمام أبي حنيفة ويعتزون بشخصيته بعد ما أصبح يترأس حلقة علمية خلفها له أستاذه حماد ، وهو من الموالي . وأبو حنيفة هو ذلك الرجل الذي عرف بقوة النفس ، وعلو الهمة وكان ذا فطنة ولباقة ، وله سيرة خاصة في معالجة مشاكل الحياة ، فتراه يقتحم مواقع الخطر ويزج نفسه فيها ، فتحدث الناس عنه واشتهر اسمه وكان مع ذلك على جانب عظيم من المداراة لخصومه ، فقد كانوا يسمعونه السب ويقرعون سمعه بالنقد المر ، وكان حسن المعاشرة لأصحابه يصلهم برفده ، ويساعدهم بمعروفه ، وله ثروة تساعده على ذلك وتمهد له الطريق . ولما هجاه مساور بقوله : كنا من الدين قبل اليوم في سعة * حتى بلينا بأصحاب المقاييس قاموا من السوق إذا قامت مكاسبهم * فاستعملوا الرأي بعد الجهد والبؤس فلقيه أبو حنيفة فقال : هجوتنا يا مساور ، نحن نرضيك فوصله بدراهم فقال مساور : إذا ما الناس يوما قايسونا * بآبدة من الفتيا طريفه أتيناهم بمقياس صحيح * تلاد من طراز أبي حنيفة إذا سمع الفقيه بها وعاها * وأثبتها بحبر من صحيفة فأجابه أصحاب الحديث : إذا ذو الرأي خاصم عن قياس * وجاء ببدعة هنة سخيفه أتيناهم بقول اللّه فيها * وآثار مبرزة شريفه إلى آخر الأبيات التي ذكرها ابن قتيبة « 1 » وابن عبد ربه « 2 » ولا يسع المجال لذكر

--> ( 1 ) المعارف ص 216 . ( 2 ) العقد الفريد ج 3 ص 408 .